الشنقيطي

63

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وهديّة ، وصدقه إلى غير ذلك من أنواع التصرّف ، وبأنّه لو قذفه حرّ ما وجب عليه الحدّ عند عامّة العلماء ، إلّا ما روي عن ابن عمر والحسن ، وأهل الظاهر من وجوبه في قذف أمّ الولد خاصّة . ويدّل على عدم حدّ الحرّ بقذفه العبد ما رواه البخاري في صحيحه ، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : سمعت أبا القاسم صلى اللّه عليه وسلم يقول : « من قذف مملوكه - وهو بريء ممّا يقول - جلد يوم القيامة إلّا أن يكون كما قال » « 1 » ، وهو يدلّ على عدم جلده في الدنيا ، كما هو ظاهر . هذا ملخّص كلام العلماء في حكم قتل الحرّ بالعبد . وأما قتل المسلم بالكافر فجمهور العلماء على منعه ، منهم مالك ، والشافعيّ ، وأحمد ، وروي ذلك عن عمر ، وعثمان ، وعلي ، وزيد بن ثابت ، ومعاوية رضي اللّه عنهم ، وبه قال عمر بن عبد العزيز ، وعطاء ، وعكرمة ، والحسن ، والزهري ، وابن شبرمة ، والثوري والأوزاعي ، وإسحاق ، وأبو عبيد ، وأبو ثور ، وابن المنذر ، كما نقله عنهم ابن قدامة في المغني « 2 » وغيره ، ورواه البيهقي عن عمر ، وعليّ ، وعثمان وغيرهم « 3 » . وذهب أبو حنيفة ، والنخعي ، والشعبي إلى أنّ المسلم يقتل بالذّميّ ، واستدلّوا بعموم النفس بالنفس في الآية والحديث المتقدّمين ، وبالحديث الّذي رواه ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، عن ابن البيلماني ، عن ابن عمر « أنّ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قتل مسلما بمعاهد » « 4 » ، وهو مرسل من رواية ضعيف ، فابن البيلمانيّ لا يحتجّ به لو وصل ، فكيف وقد أرسل ، وترجم البيهقي في [ السنن الكبرى ] لهذا الحديث بقوله باب بيان ضعف الخبر الذي روي في قتل المؤمن بالكافر ، وما جاء عن الصحابة في ذلك ، وذكر طرقه ، وبيّن ضعفها كلها « 5 » . ومن جملة ما قال : أخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه ، قال : قال أبو الحسن علي بن عمر الدار قطنيّ : الحافظ ابن البيلمانيّ ضعيف لا تقوم به حجّة إذا وصل الحديث ، فكيف بما يرسله ، واللّه أعلم « 6 » .

--> ( 1 ) كتاب المحاربين حديث 6858 . ( 2 ) كتاب الجراح 7 / 652 . ( 3 ) السنن الكبرى ، كتاب الجنايات 8 / 28 - 34 . ( 4 ) أخرجه الدارقطني في الحدود ، والديات حديث ( 165 ) 3 / 134 ، 135 ، والبيهقي في السنن الكبرى ، كتاب الجنايات 8 / 30 . ( 5 ) سبق تخريجه . ( 6 ) السنن الكبرى ، كتاب الجنايت ت 8 / 31 .